Posted by: doctoraydy2008 | فبراير 14, 2008

أهلا يا عالم!


 الأولة بسم الله

السلام علي الجميع

أنا طبيبة

 ولدت علي أرض هذه البلد الطيبة , قضيت عمري كله في العاصمة إللا بعض السفريات هنا أو هناك , أعشق بلدي و أبناء بلدي , عشت أعشق الحياة النظيفة الجميلة , حصلت علي أعلي درجات التعليم , تربيت علي القيم وكل ما هو جميل و نقي , تقدمت الصفوف و إصطدمت بالكثيرين و أكثر ما اصطدمت به الأفكار و آه منها هذه الأفكار .

 في لحظة ما قررت تغيير مساري

أحسست أنني لو إستمريت في هذا الطريق لن أدمر اللا نفسي , فتوقفت , أنظر حولي , أتلفت , أتحقق من كل ما هو أمامي و أيضا من كل ما هو خلفي , أحسست انني في حاجة للملمة أشياء كثيرة من نفسي قد تبعثرت , و انني للأمانة اريد ان اترك تجربة حياتي التي مضت و التي بإذن الله ستأتي .

أخيرا صحيت  !!  لقيت كل الدنيا مفتوحة علي بعضها , محسيتش بكل اللي عدي , عدي كأنه حلم طوييييل , إتولدت إمتي , كبرت إمتي , إشتغلت إيه , عملت إيه , سبت بصمة و اللا عديت في شارع الدنيا كأني لا رحت ولا جيت . كان ياتري كابوس , واللا حلم طويل ؟

المهم إني صحيت !! ولما صحيت لقيت كل اللي حواليه بيصرخوا , العمال مضربين , الموظفين زعلانين, الدكاترة بيدعوا إنهم مش لاقيين ياكلوا ( حاجة تكسف ) , حتي الأطفال الصغيرة عملوا لهم وقفة إحتجاجية قدام مدرستهم . إيه اللي بيجري ده ؟؟ هي عدوي و اللا إيه ؟!

ده مش معناه إني كنت في غيبوبة أبدا ! لكن الحياة أخدتني بشكل قوي جدا وشديد غرقت معاها وفيها ولما تنبهت , لقيتني عايزة اتكلم أنا كمان , حسيت إني عايزة أطلع كل اللي جوايا , بس أنا مش باحب أصرخ , فكرت في المدونة دي أحكي فيها مشوار حياة طبيبة بمنتهي الهدوء , من يوم مااتولدت لحد النهاردة يمكن يكون فيه فايدة للي جايين بعدي .

مش حاحكي حكايتي بالترتيب لكن كل اللي حاييجي علي بالي حاقوله علشان تكون الكلمة بإحساس صادق . إستغرق التفكير في موضوع إني أكون طبيبة والإختيار الفعلي والدراسة و العمل من مختلف الزوايا للمهنة دي عمر بدأ من منتصف مرحلة الدراسة الإعدادية و حتي الآن …

ياااااااااااااااااااه . أو علي رأي ممثل كوميدي شهير عندنا – ردح من الزمان – باعترف لا الطب ولا دراسته إختياري الأول إنما كان إختيار أمي و حلمها الكبير ..أما أنا فقد شكلت مقالات الكاتب الشهير الأسبوعية و كتبه في السياسة و مختلف الكتب الأخري و المقالات .. إلي جانب المناخ المحيط بي صورة للهدف الذي أسعي إليه ألا وهو الإلتحاق بكلية العلوم السياسية ثم العمل بالخارجية و السياسة بوجه عام وعلي فقد كانت  العلوم السياسية و العمل بالخارجية هو إختياري الأول .

عند مفترق الطرق و ما نسميه بالثانوية العامة ..إخترت الطب بمحض إرادتي وبشكل ديموقراطي جدا .. وأعترف انني تعلمت اساسيات  الديموقراطية من أمي أيضا حيث وضعت رغبتي عند التقديم كإختيار أول ثم وضعت رغبتها .. وكان الفيصل هو المجموع …وتحققت رغبتها حيث كانت في ذلك العام دراسة الاقتصاد و العلوم السياسية في المقدمة تليها الهندسة ثم الطب- وكان الثلاثة …كما يسمونهم كليات القمة .. وهكذا بدات من القمة …

وإذا كان الشيئ بالشيئ يذكر زي مابيقولوا.. فانا لست حديثة العهد بالمدونات فهي فكرة ليست وليدة اليوم .. كل مافيها إنها النهاردة إليكترونية و كانت زمان ورقية ..وإذا كان هناك فضل فهو لأمي التي علمتني كيف أصنع أول مجلة حائط وعمري وقت ذاك ..تسع سنوات لتعليقها علي جدار الفصل في المدرسة الإبتدائية وكانت تصر علي أن يكون لي فيها زاوية خاصة أكتب فيها اللي أنا عايزاه . وده اللي زرع فيا حب الصحافة لحد ماوصلت لرئاسة تحرير مجلة المدرسة المطبوعة في المدرسة الثانوية مع ذكريات كثيرة لأحاديث صحفية مع كبار الصحفيين وبعض الشخصيات السياسية الي جانب مدونة صغيرة حائطية كانت تعلق علي جدار كلية الطب التي كنت أدرس بها .

علي فكرة أحب برضة أذكر أني  من مواليد  برج الجوزاء و ده يمكن يفسر الاهتمامات بالصحافة و السياسة و الطب ويفسر التصرف في بعض المواقف بالطريقة المعروفة عن شخصية أصحاب برج الجوزاء – فهم بفضل الله يمكنهم الإلمام بتفاصيل المواقف بسهولة وسرعة ..

يكرهون التفاصيل المملة لأي شيئ و لايجلسون في مكان واحد مدة طويلة .. كرماء جدا يتميزون بالشهامة يشعرون الناس بأحاسيسهم و يصادقونهم لكن عن بعد . في منتهي اللطف وبراءة الأطفال في عيونهم عند طلب أي شيئ منهم . لديهم نشاط أكثر من الطبيعي , فيمكنهم عمل عدة أشياء في آن واحد ( مشاهدة التلفزيون , وسماع الموسيقي في الخلفية , و الكلام في التليفون في نفس الوقت و بنفس التركيز و بسهولة وطبيعية  ) ..

  

يحتاجون لوقت أكبر من غيرهم للنوم و الراحة للتعويض .. يحبون تحمل المسئولية ..يكرهون البلادة  ويحبون النظام .. لا يمكن تضليلهم وخداعهم  .. .. لايعرفون الكره .. بعيدون تماما عن الأنانية .. رواه بارعون للحديث و الحكايات ..ليس معني ذلك أنهم يحبون الرغي .. لكن إذا تكلموا فهم مقنعون ..إتخاذهم للقرارات سريع و حاسم في الاوقات الحرجة .. يعشقون الأشخاص خفاف الظل اللامعين فكريا المبتسمين ..كلها صفات جميلة أدعي أنني أتصف بمعظمها ..

يمكن دي كانت جملة إعتراضية طويلة شوية.. لكن يمكن اللي يقرأ مدونتي يستطيع فهم جزء من شخصيتي و التي يمكن منها تفسير مواقف كثير سيأتي الحديث عنها ..

في فترة ماقبل إلتحاقي بالكلية .. كانت هناك آيات الله العزيزة التي كانت كالدرع الواقي لي .. وكنت أقرأها صباح مساء [ بسم الله الرحمن الرحيم ..وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني ] [بسم الله الرحمن الرحيم .. وقل ربي أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ] [ بسم الله الرحمن الرحيم ..و لينصرن الله من ينصره ] صدق الله العظيم .. ومقولة كتبتها علي جميع كراساتي وكتبي [ برغم كل الصعاب و المحن و الازمات التي مرت بي لم أفقد إيماني لحظة بالله و لابوجود الانسان الطيب علي هذه الأرض ] ..

أيضا مهم الفترة من حياتي أثناء  الدراسة بالمدارس المختلفة بمختلف المراحل .لأن الفترة دي فعلا بتشكل شخصية الانسان و بترسم علامات علي طريق حياته و الأشخاص اللي الانسان بيقابلهم خلالها بيتركوا بصمات إما مضيئة أو مظلمة أو باهتة .. أيضا .. بترسم صورة للطموحات المستقبلية سلبا وإيجابا ..و إيجابياتها بتزيد في وضوح الصورة و العكس فالسلبيات بتقلل من هذا الوضوح .

قبل ماأدخل المدرسة ( في أول مرحلة و هي الحضانة ) بحوالي سنة.. كان عمري أيامها يقترب من الثالثة .. كنت أقف في نافذة بيتنا و كان مقابلا لمنزل سياسي كبير .. شغل وظائف وزارية بعد ذلك في حكومات الثورة ..وكانت إبنته تقف أمام المنزل كل صباح تنتظر اتوبيس المدرسة .. كانت تكبرني بعدة سنوات .. و كنت أنا أراها و ابكي بكاء شديدا.. أريد أن أذهب للمدرسة مثلها .. في هذه الفترة لا أتذكر الكثير سوي هذا المشهد المتكرر يوميا كنت في شوق شديد لدخول المدرسة حتي قبل إدراك أبعاد العملية التعليمية .. يبدو أنه كان ميلا فطريا..

لم اقل أريد أن أذهب لألعب في المدرسة و لكن لأتعلم و أحمل الكتب مثلها .. شيئ غريب .. أنا نفسي أعجب منه حينما أتذكره .. أيضا أتذكر جدتي التي كانت تلقنني السور الصغيرة من القرآن الكريم وتعلمني الأرقام علي الساعة و تقول لي لو تعلمتي هذا ستدخلين المدرسة مثلها و فعلا كانت تعني ما تقول فقد دخلت مدرسة أجنبية ( طلياني ) قريبة من المنزل في العام التالي ..

 كان زي المدرسة جميل جدا و كنت أعجب بنفسي جدا و أنا بداخله فقد كان عبارة عن فستان ابيض قصير ذو حزام علي الوسط وله كولة بيضاء عليها خطوط زرقاء غامقة .. كان أنيقا أو هكذا كنت أشعر و مازلت أشعر به حتي هذه اللحظة و اتذكر جيدا يوم وضعت لي المشرفة بالمدرسة برتقالتي الصغيرة بداخل جيبي بعد أن قشرتها لي ..وطبعا مع اللعب ..فقد فعصت هذة البرتقالة تاركة بحر من البرتقال أغرق الفستان و ما تحته وكان يوم شتاء قارس .. عدت يومها للمنزل بحالي هذا الذي ارقدني في الفراش بنزلة بردية شديدة مع وعكة لوزتين حقنت نتيجة لها بحقن البنسلين التي كنت أكرهها و اكره الطبيب الذي يحقنني كرها شديدا ..

في هذه الأيام كان لكل طفل سلة صغيرة من القش , مغلقة , بداخلها ساندوتش و برتقالة أو تفاحة و كوب نظيف من البلاستيك ..أغلب هذه الأكواب كانت تليسكوبية الشكل تدخل في بعضها عند عدم الاستخدام و العكس ..و طبعا مع الإستعمال تبدأ في تسريب المياه من بين بعضها هذا ..و تصبح مشكلة ..إلي جانب منديل خاص  وفوطة صغيرة ..أيضا في أيامها كان الشتاء شتاءا ..يبدأ من اوائل سبتمبر و ليس مثل هذه الأيام أصبح يبدأ من أواخر ديسمبر.. ولهذا فكنت كثيرا ماأتخذ من أدوار البرد و وعكات مرض اللوزتين أصدقاء.. لايعكر هذه الصداقة إللا الطبيب بوخزات حقن البنسلين اللعينة …هذا الطبيب أصبح فيما بعد طبيب القلب لرئيس البلاد .. يعني وشي حلو عليه ..

في هذه المرحلة أيضا  نعمت بمتعة مطالعة الكثير من الكتب الصغيرة الجميلة ذات الالوان الزاهية والقصص الشيقة و التي حرصت أمي علي إحضارها لي عندما أحست بميلي الشديد للتعليم و كتب التلوين وأقلام الرصاص الملون وأوراق القص و اللصق و المكعبات التي تحكي مشاهد من بعض القصص الشهيرة إلي جانب الدبة الصغيرة ( و التي مازالت ترافقني حتي الآن و صاحبتني في كل سفرياتي )  و العروسة و الكلب الصوفي الابيض ..

 كان لدينا بالمنزل راديو جميل له عين خضراء تضيئ عندما يبدأ في الكلام , كان يصدح بأغاني أم كلثوم و عبد الوهاب وفريد الأطرش وبدايات عبد الحليم حافظ ومطربي هذه الفترة وقرآن الشيخ رفعت و غيره من القراء ..

طبعا لم أكن أعي هذه الأسماء لكن أخبرتني أمي أنني كنت أعرف الأغنية من مطلع مقدمتها الموسيقية في هذا السن الصغير و لهذا حاولت أن تجعلني أتعلم العزف علي أي آلة موسيقية سواء عن طريق المرسة أو بالمنزل لكن لم أفلح , كانت كل ميزتي أنني أتذوق الموسيقي فقط و أحب الأداء الجميل و لاشيئ أكثر من هذا في هذا الاتجاه ..

قضيت في هذه المدرسة عام واحدا إنتقلت بعدها في العام التالي إلي حضانة مدرسة إنجليزية أكبر قليلا .. كان أجمل مافيها الكتب الجميلة الملونة وقصة ديك و جين ..زي سعاد وعادل كدة , اللي بالعربي .. و الحديقة الرملية التي كنا نلعب فيها في الشتاء أيضا بالرمل المبتل نصنع منه بيوتا و قصورا و حيوانات و اشياء كثيرة .. نلهو و نتعلم ..

وككل شيئ في الدنيا , ليس كله حلو ..فقد كان يعكر صفو هذه الأيام مسز مارجريت الأجنبية قاسية القلب بالرغم من أنها تتعامل مع أطفال صغار مابين الثالثة و الرابعة و التي كانت تجبرني أنا و أمثالي علي أداء صلواتها أيام الآحاد وأيضا الطفلة ليندا و التي كانت من أم إنجليزية و أب مصري كما عرفت فيما بعد..

 كنت أخاف نظرات الأولي القاسية و أخاف ضرب و ركلات الثانية .. و طبعا لم اسكت .. شكوت لأمي ظلم الاثنين فأوقفتهما كلاهما عند حدهما بزيارة سريعة وحاسمة للمدرسة .. لا أعرف ماذا فعلت لكنني استطيع أن أتوقع ….

 بعدها بقليل ..انتقلت للمرحلة الابتدائية بالمدارس العربية .. و أعتقد أن تفسير هذا التجبر أن هذه المرحلة كانت في نهايات أعوام وجود الاحتلال الانجليزى بمصر و كيفية معاملتهم لأبناء و أصحاب البلد .. 

        مرحلة الدراسة الإبتدائية كانت مرحلة ثرية جدا  .. حقيقي انني لاأتذكر من أعوامها الثلاث الأول اللا فستان المدرسة البيج اللون ..يمكن لأنه استمر بنفس الشكل الي العام السادس بهذه المدرسة الابتدائية .. أيضا شرائط الشعر الحريرية الحمراء و الحذاء البني اللذي يكون لامعا في أول اليوم مغبرا بلون الرمال في آخر اليوم ..

أيضا حوض الرمال ( ويبدو أن حوض الرمال الصفراء النظيفة هذا كان سمة للمدارس في ذلك الوقت ) .. الذي تصبح رماله مبللة في فصل الشتاء الطويل و كنا نقضي أوقات الفسحة نلعب بها و نشكل منها الأشكال الكثيرة كل حسب خياله و عندما تقع المشكلات الصغيرة بيننا تكون الرمال هي سلاحنا الفتاك نقذف بها بعضنا البعض و تكون هي أم المعارك لا تفضها اللا أبله الضابطة المكورة الشكل ..القاسية جدا ذات الوجه المتجهم دائما.. و العصا الغليظة التي تعتبرها من صميم مكونات شخصيتها ..  

فرحتي بأول شنطة كتب و كراسات جلدية ( جلد أصلي – فلم يكن الصناعي قد اخترع بعد ) كانت لاتوصف..كانت شنطة صغيرة لها جيبان ( جمع جيب ) .. و تغلق بواسطة ما يسمي بالأبزيم لا أدري كيف أشرحة .. لكن المهم أنه يمكن غلقها و فتحها ..تسع بالكاد كراستان و كتاب وساندوتش وربما علبة الألوان أو مكعب الصلصال أو كيس الفول ..و لهذه الأشياء حكاية اخري بعد ..

كان لهذه المدرسة بواب طويل أسود البشرة ضاحك الملامح باستمرار ..طيب القلب .. ذو جلباب دائما لونه سماوي فاتح ..هل لأن كل جلابيبه بهذا اللون أم أنه لايملك اللا جلباب واحد .. لكن المهم أنه كان دائما جلبابا نظيفا  .. و كان يخاف علينا جميعا جدا و يحرس باب المدرسة بمنتهي الدقة ولا يتحرك من أمامه اللا بعد أن يتأكد أنه مغلق بالمفتاح و القفل الكبير الأسود ..

كان إسمه عم محجوب..

وكان أيضا يشاركنا ضحكاتنا في أيام الرحلات وتظهر إبتسامتة العريضة خلفها أسنانه البيضاء ..حين نتجمع خلف باب المدرسة في إنتظار الاوتوبيسات التي ستحملنا وكان يحمل لنا سلالنا المعبئة بالساندوتشات و الشوكولاته و الفاكهة و يسير خلف و أمام الطابور عند التحرك خائفا علينا حتي يطمئن اننا جميعا قد ركبنا وجلسنا كل في مكانه و تسلمتنا مشرفة الرحلة بداخل السيارة ..

بالمناسبة ولأن الرحلات كانت معظمها في موسم الشتاء فقد كانت المدرسة دائما تشتري لنا أقفاص اليوسفي و التي يتم تنظيف ثمراتها بفوطة كبيرة و تحمل معنا إلي مكان الرحلة أو بداخل السيارة لتوزع علينا كنوع من الترفيه ..  ..

أما عم فضل.. فكان مسئولا عن الجرس النحاسي الكبير المعلق علي جدار أحد أبنية المدرسة و يتدلي منه سلسة حديدية غليظة يجذبه منها فيصدر عنه صوت عالي يلف أرجاء المدرسة من أدناها إلي أقصاها وهو بجوار السلم المؤدي إلي حكيمة المدرسة وهذه لها قصة أخري..  

كان عم فضل يرتدي في يده اليسري ساعة كبيرة لها عقارب واضحة يقوم في اوقات معينة بدق الجرس بناء عليها فيدخلنا الي الفسحة تارة أو يخرجنا من أحلامنا تارة أخري أو يخلع به قلوبنا إذا كانت الحصة التالية بها إمتحان أو تسميع ما حفظناه او أي شيء من هذا القبيل ولا زلت حتي اليوم اشعر بهذا الوجيب في القلب عند دق أي جرس بصوت عالي .. أيضا عم فضل كان رجلا علي مايبدو طيبا .. ( لكن ليس كعم محجوب الذي كان في اعتقادنا رجلا نقيا كنا نحبه جدا ) .. و إحساس الطفل لا يكذب أبدا ..

                            ***************

غرفة الفئران و أبلا الضابطة…………

 ربما هذا الاحساس تجاه عم فضل لأنه كان دائما يسوق طابور الفصل الذي سيتم عقابه إلي غرفة الفيران .. فكان عم فضل في الأمام وأ بلة الضابطة في الخلف تلوح يمينا و يسارا بعصاها  .. و نحن في الوسط نصرخ و نبكي خوفا و هلعا ورعبا من المصير الذي ينتظرنا ..

غرفة الفئران هذه كان غرفة مظلمة في بادروم أحد مباني المدرسة مكدس بها أدراج و دواليب خشبية مكسورة او مهملة تستعمل كمخزن وكانت الفئران تجري بها و كانوا يجعلوننا ننظر من خلال شبابيكها الحديدية كشبابيك السجون لنري ونتأكد من أن الفئران تجول و تصول بها .. و عندما نفعل مايخالف النظم كأن تزيد شقاوتنا او الكلام بدون إذن وأزيد من اللازم .. يتم تهديدنا بالحبس في غرفة الفئران للفصل كله .. ويتم صفنا صفين يد كل منا في يد الآخر نسير طابورا في موكب باكي حزين نخبط بأرجلنا الصغيرة في الارض  رفضا وخوفا حتي نصل الي هذه الغرفة اللعينة و يتم توقيفنا أمامها قليلا وقلوبنا تكاد تنخلع من داخلنا حتي تصل النجدة من إحدي المدرسات او المشرفات اللاتي قمن بالتشفع  لنا حتي ترفع العقوبة عنا ونعود لفصلنا مرة أخري و حتي نقر أننا لن نعود لما فعلنا مرة أخري و إللا ندخل فعلا لغرفة الفئران بدلا من الوقوف خارجها .. كان موقفا رهيبا لا أنساه أبدا ..

و كانت أثنائه اللحظات طويلة جدا و ثقيلة و كئيبة ..و حتي هذه اللحظة أنا أضيق جدا بالأماكن المظلمة و المغلقة و الضيقة .. ليس خوفا بل ضيقا شديدا ..  طبعا كانت هذه العقوبة مخصصة للصغار فقط في السنوات الأولي من المدرسة و ليس بعد ذلك ..حيث كانت هذه اللعبة لن تنطلي علي الأعمارالأكبر …………

                         *************************

فاصل ونعود ….علي رأي القنوات الفضائية

  سألتقط أنفاسي قليلا ..حيث ان العودة للماضي و تذكر تفاصيل كثيرة عملية مرهقة للغاية تشبه راكبي ماكينات السفر عبر الزمان أو الخروج من زمن الي زمن في افلام الخيال العلمي … لكن هناك بقية.. و عملية استدعاء الذكريات من صندوق الذاكرة ..صعبة الي حد ما .. فهي أحيانا تتوالي و تتدفق بحيث تجعلني ألهث وراءها و أصاب بالإرهاق لمحاولتي محاصرتها و لملمتها و ترتيبها ثم سردها .. و أحيانا أخري تكون صعبة المنال إلا إذاحدث حادث ..يأتي بطرفها .. و الذي يجر بقيتها وراءه..

                           *********************

أبلا الشرسة ..النمرة المفترسة..

حقيقي فإن المرحلة الابتدائية مرحلة هامة جدا للطفل في هذا العمر المبكر من حياته ..ولابد أن يكون من يشكلون حياته هذه علي دراية ووعي و تعليم متخصص ..لكن أيامنا كان الوضع مختلف.. كان هناك إحساس وخبرة فطرية لبعض المدرسات وإحساس بالمسئولية ..بحيث كان أداؤهم يخرج في النهاية عاليا .. كفاءة و خبرة مسئولية ..لم يكن هناك في مدرستنا مدرسين ذكور ..كان الكل مدرسات ..حتي تكون مثل الأم في هذه المرحلة….

.. لكن كانت هناك أحد المدرسات مشهورة في المدرسة كلها بالشراسة و العنف ..لا أنساها ابدا فقد نابني من سلوكها جانبا كادت تدفع ثمنه وظيفتها كلها .. في هذه الفتره صدرت تعليمات بمنع الضرب في المدارس .. و لأنها لاتستطيع اللا أن تكون مؤذية .. فقد فوجئت بشيئ يشبه ابو جلمبو او سرطان البحر او الكابوريا يمسك بأذني .. حين كنت أضع رأسي علي الديسك و اتكلم بصوت منخفض مع زميلتي في حصة غابت عنها مدرسة الفصل و حلت محلها أبلة الشرسة و كان هذا هو اسمها الذي نسميه لها..وكانت قد اصدرت تعليماتها بان ننام جميع علي الديسك و ياويله من تسمع صوته .. و يبدوا أن كان من حظي هذا الويل ..

 علي فكرة كان نظام المدرسة أن لكل فصل مدرسة مسئولة عنه وبخاصة في السنوات الثلاثة الأول و تقوم بتدريس معظم المواد المقررة للسنة …أيضا كنا مدرسة مشتركة بنين و بنات .. لم ينتهي اليوم اللا و كانت أذني قد تورمت و أصبح لونها أزرق الي جانب جرح او جروح من آثار غرس أبلة شرسة لأظافرها التي كانت غالبا طويلة و غالبا غير نظيفة لأن الجرح تطور الي تكوين بعض الصديد .. و طبعا النتائج المترتبة علي ما حدث معروفة .. انتهت باعتذارها لي شخصيا وان اسامحها و أنني مثل ابنتها..الله يكون في عونها إبنتها هذه..

علي عكسها تماما كانت  مدرسة الفصل ..فقد كانت حانية إلي درجة كبيرة مع حزم مطلوب وكانت تحبنا جميعا .. لم تكن قد تزوجت او انجبت بعد .. و كنا نشعر بحنانها هذا و نخاف من غضبها منا .. و نؤدي واجباتنا..حقيقي ..فقد علمتنا جيدا .. العربي..الدين..المواد الاجتماعية..قرأت معنا قصص المكتبة الجميلة..سندريللا.. الأقزام السبع..وغيرها..وكانت تأتي لنا في أعياد ميلادنا ..بهدايا من نقودها الخاصة بكل مايحبه كل منا ..هي هدايا رمزية لكنها لفتة جميلة و معبره منها ..الآن في مدارسنا لابد أن يقوم جميع الطلبة و التلاميذ في كل المراحل بتقديم الهدايا للمدرسات وطبعا هدايا قيمة جدا ..جدا .. 

عندما أري في هذه الأيام مايكتب في مقدمات البرامج أو التمثيليات و الصحف ..العديد من الأخطاء اللغوية والهجائية أدعو لأساتذتنا و استاذاتنا اللذين علمونا بإخلاص .. ولم يدخروا جهدا في ذلك و لم يكن أيامها قد اخترعت الدروس الخصوصية و كانت مرتبات هؤلاء العظام بحساب هذه الأيام مجرد ملاليم .. لكنهم أدوا واجبهم علي أكمل ما يكون وتخرج علي أيديهم المهندسين و الأطباء و القيادات في كل مكان علي ارض هذا البلد الطيب المظلوم دائما..و كانوا يكتفون بأن نزورهم و نتذكرهم و يفرحون بنا أشد الفرح و يفخرون بما أنتجوا لهذا الوطن .. و كان هذا هو أعظم أمانيهم  … ألله يرحم من توفي و يعطي الصحة لمن مازال علي قيد الحياة ..

علمونا بالتعاون مع البيت مباديئ الخلق الرفيع .. و الذي قضيت معظم حياتي أحاول وضع تصميم نظم لتطبيقه و تنفيذه علي الواقع ..نجحت في بعض الأحيان و فشلت في أحيان كثيرة..أما الكثيرين من شباب هذه الأيام إنتاج الدروس الخصوصية .. فقد فهموا الكثير عن الحياة في طبعتها الجديدة .. و تعاملوا معها بمنتهي العنف و الأنانية .. أعتقد بل أثق أنه لا يصح اللا الصحيح ..

                            *******************

أبلا الحكيمة والضابطة و الموسيقي و الحلاوة الطحينية

لما أتأمل صورة الفترة دي ألاقي فيها شوية متناقضات .. غرفة أبلا الحكيمة اللي منتظمة جدا في تطعيمها لينا كلنا ..الحقيقة أنها كانت مابتفوتش .. و في نفس الوقت .. تتركنا لبائع النبق و الدوم و المانجة الصغيرة وباعة الحلوي التي ماأنزل الله بها من سلطان المتعددة الأشكال و الألوان بلا إسم و لا ماركة معروفة .. نمد ايدينا الصغيرة من خلال سور المدرسة في فترة الفسحة .. كل واحد يشتري مايري أنه منتهي الأمل ..لم ينبهنا  أحد لخطورة ما نفعل ..إللا لو علم أحد من الأهل ..و تكون النتيجة علقة سخنة بلا مقدمات حتي لا نعود لمثل هذا الفعل الشنيع .. كان الباعة يبيعون لنا كل هذه الأشياء تحت سمع و بصر الجميع بالمدرسة سواء أثناء الفسحة أوعند الخروج بعد إنتهاءاليوم.. يعني تيفود ..يعني نزلات معوية وما أشبه..

المصادفة الغريبة ..أنني كبرت و تخرجت من كلية الطب وعملت في نفس المنطقة الطبية بعد فترة ليست بالقصيرة من تخرجي مع أبلا الحكيمة ..و كانت ترأس الممرضات في هذه المنطقة .. وذكرتها بالأيام الخوالي و ضحكنا كثيرا ..لكن لم أشأ أن ألومها علي تقصيرها في توعيتنا و توعية كل من بالمدرسة بصفتها كانت حاملة للواء الطب في هذا المكان ..لكن يبدو ان هذه الأمور لم تخطر علي بالها بالمرة ..

المهم..كانت غرفة ابلا الحكيمة تقع في الدور الثاني فوق المطعم و كنا نصعد إليها بسلم كبير و كثير الدرجات ..طبعا بعدما يصفوننا صفوفا في الأسفل .. نفس المسيرة مثل مسيرة غرفة الفئران .. فقد كنا نساق إليها سوقا ..لا نعرف ما الذي سيحدث لنا في هذا اليوم اللي ماطلعتلوش شمس.. هل هو كشف عادي واللا تطعيم واللا حقن واللا إيه بالضبط..أهو يوم نكد و السلام .. بعد ما نترص مثل العساكر..ولابد أبلا الضابطة يكون لها دور فاعل في هذه الموقعة..لتثبت لنا دائما أن لها وجود مؤثرفي كل الاحداث الهامة..

كانت قصيرة ..شعر رأسها ..ناعم منسدل رمادي اللون ..يهيأ للرائي أن كل شعرة فيه تهتز وحدها إذا انفعلت و حركت راسها المكور يمينا و يسارا ..كانت كلها مكورة ..رأسها ..جسمها..أرجلها.. تبدأ في الأوامر.. مسافات.. فنرفع أيدينا الصغيرة عل طولها و كل منا يضع كفه علي كتف من أمامه ..وتصرخ .. مرة أخري و لا أدري لماذا   كانت تصرخ دائما .. دوووغري.. فنعيد أيدينا إلي جانبنا و بذلك تكون المسافة مضبوطة بين كل إثنين و الإثنين اللي أمامهم ..ثم تأتي أوامرها بالسير للأمام ووقوف أول إثنين علي أول السلم .. ثم تأتي المشرفة الإجتماعية التي لا أستطيع تذكر لا إسمها و لا شكلها لأنه ربما لم يكن لها دور ظاهر بالنسبة لي علي الأقل .. تاتي حاملة البطاقات الصحية و تنادي بالأسماء و كل من يسمع إسمه يرفع يده ليتسلم بطاقته يحملها تحت إبطه حيث لا توجد يد خالية .. فيد تمسك بيد الزميل أو  الزميلة و الأخري تضبط المسافات للأمام و للجنب .. ثم تعيد أبلا الضابطة الكرة مرة اخري..لضبط المسافات بعد ما عدنا لما كنا عليه من لخبطة ..ثم الأمر الأخير و كنا ندعوأن لا ياتي ابدا .. علي السلم طلوع .. يارب يعدي اليوم ده علي خير..

 كانت هذه الطقوس تحدث اسبوعيا ..نطلع درجات السلم و كان سلما حجريا أبيض اللون له درابزين حديدي أسود و غير مسموح بالإستناد عليه ..إرتفاع درجة السلم كانت بالنسبة لأحجامنا الصغيرة كبيرة .. أي عناء كان ..ثم ننتهي لآخر درجة ننعطف شمالا لنسير لآخر الشرفة .. و نهبط درجتين ..أتعجب أي تصميم هذا..و ماذا كان هذا المبني من قبل .. الذي أعرفه أن المبني الذي كانت تقع فيه إدارة المدرسة و المكتبة و حجرة الموسيقي …كان قصر لأحد أميرات الأسرة المالكة و طبعا كل المباني حوله كانت للخدم و الموظفين و خلافه .. فياتري أيها كان المبني الذي تقع فيه حجرة أبلا الحكيمة ؟؟..

طبعا أول الطابور كان الأسعد حظا .. فلسوف ينتهي من الموضوع أولا.. لكن آخر الطابور كان يظل مرعوبا حتي النهاية ..و غير مجد أن يبشر أول الطابور باقي الواقفين فكل واحد منا كان له شأنه الخاص  .. و الكارثة إن كان أول الطابور قد تم حقنه لسبب ما ..

 يتقدم كل واحد منا حاملا بطاقته يقدمها لأبلة الحكيمة ..التي تتأكد من الصورة التي عليها أنه هو..علي فكرة في هذه الأيام لم تكن أمور النصب و التزوير مثل أيامنا هذه..لكنه يبدو أنه كان إجراء روتيني ..أو أنه كان لها إستقراء مستقبلي لما سيحدث..

تقوم بتناول الأيدي تدقق فيها و تنظر.. تمد يديها تفحص الجوارب .. هل تم تغييرها اليوم أم لا و ذلك بالأمر بخلع الحذاء .. تقوم بلف كل تلميذ و تلميذه من الأمام و الخلف تتفحص ملابسه ..و الكارثة هي مايلي ..أن تضع أصابعها و بسرعة في رأس كل واحد بطريقة مدربة ..لتفقد النزلاء المقيمين في رؤوس البعض .. و قد كان بالنسبة لي هذا الفعل الشائن .. مهين لكرامتي الصغيرة بشكل غير قابل للوصف.. كنت أبكي بعدها بكاء مرا حتي العودة للمنزل بالرغم من عدم وجود هؤلاء الضيوف لدي ..إلا أنني عندما كبرت عرفت أنهم يمكنهم التنقل من مضيف لآخر ببساطة و لهذا فلابد لهذا الفحص خوفا!!! …لكن هكذا كانت الأشياء ..

إذا كان اليوم بسيطا و هينا تنتهي الأمور عند هذا الحد طبعا و لا تنسي أن تفتح فم كل واحد منا لتري أسنانه ..وطبعا كلنا يعاني من زوار الأسنان المتعايشين علي بقايا البونبون و الشكولاتة ..و إّذا وجدت هؤلاء الزوار ..يصبح يوما أسودا من أوله لآخرة  فسيترتب علي هذا تحويلا للوحدة الصحية أو زيارة للطبيب الخاص .. في كل الأحوال كان لابد من التحويل للوحدة الصحية للتحليل و طبعا يصبح يوما آخر من الرعب ..

لاأستطيع أن أعبر محطة أبلا الحكيمة بدون أن اذكر أن غرفتها كانت دائما و أبدا نظيفة للغاية .. ملاءة السرير , البالطو الأبيض الذي ترتديه , كل شيئ بالغرفة ينم عن النظافة التامة , غير رائحة المطهر التي كنا نشمها عن بعد , و تزداد كلما اقتربنا , أيضا هذه من الأشياء التي ظلت معي , الي أن أصبحت طبيبة أتفقد العنابر و الغرف , أتأكد من نظافتها , و انبعاث رائحة المطهر منها …

أيضا كنت أتذوق طعم هذا المطهر في فمي عندما كانت  تأتي بذلك الشيئ المعدني البارد ذو الطعم المر و الرائحة النفاذة .. وتضغط به علي لساني لتفتش في حلقي عن اللوزتين .. وطبعا غالبا ماتجدهما علي أشدهما ..كبيرتان محمرتان في فصل الشتاء.. فأنا كما يقولون كنت أمشي علي سطر وأذهب للمدرسة ..و أسيب سطر مريضة باحتقان اللوزتين مستسلمة للطبيب وحقن البنسلين ..طبعا ذلك الشيئ هو خافض اللسان اللعين ..الذي كان يتسبب في الشعور بالقيئ للحظات ..

حولتني أبلا الحكيمة ذات يوم للوحدة الصحية بخطاب مسطر فيه كلمات لا أعرفها .. وكان يوم لا أنساه .. فقد كان لابد أن ينظر طبيب الأسنان هو الآخر في فمي ليكتب تقريره ويرسله للمدرسة معي أو مع غيري المهم يوصل حتي لو لم أكن ساقوم بالعلاج عن طريق الوحدة و إنما عند الطبيب الخاص ..

 لم يكن متوقعا ماذا سيحدث له ..ووضع أصبعه البارد في فمي يحاول تحسس أضراسي ..حيث رفضت بإباء وشمم وضع أي آلة حادة ..ومازال في هذا الطبع حتي الآن ..ولا يوضع أي شيئ من ذلك القبيل اللا بعد البنج و خلافه من مراهم و أدوية .. رعبا  والله..المهم ..لم يأخذ بخوانة كما يقولون ولم يشعر إلا وقد عضضت إصبعه ..و أعتقد انه لم يفعل ذلك مرة أخري لامعي ولا مع غيري و لا أتذكر أنني قد ذهبت لهذه الوحدة الصحية مرة أخري ..فهي لم ترضيني و لم ترضي أهلي لا شكلا ولا مضمونا ..ونخلي الطابق مستور..و المعني بين السطور..

عجيب هذا المخ البشري..سبحان الله ..عدد خلقه ورضا نفسه..وزنة عرشة ومداد كلماته.. لم أكن اتصور في يوم من الأيام ..أنني سأدون هذه الذكريات ولا أنها موجودة في ذاكرتي أصلا.. سبحان الله ..

كل شيئ في هذه المدرسة كان بالطابور ..لكنني لا أتذكر بالمرة كيف كان ينتهي الموقف بعد الزيارة الميمونة لغرفة الحكيمة .. هل كنا ننصرف فرادي ..أم ننتظر بعضنا البعض حتي ينتهي آخر تلميذ من كشف المستور ..أم  ماذا؟ لا أدري ..!

أيضا لا أذكر طابور الصباح بالنسبة لهذه المرحلة الصغيرة .. ولا ماذا كنا نفعل فيه.. لكن بالتاكيد فقد كان هناك طابور صباحي ..

 أذكر أننا كنا أيضا نذهب لغرفة الموسيقي طابورا منتظما و أحيانا كانت أبلا الضابطة توقفنا في منتصف الطريق لنقوم بعمل معتدل مارش في مكاننا و ربنا مايحكم في حد ضابطة .. طبعا ده لزوم الإنضباط..

كانت مدرسة الموسيقي إسمها أبلا وديعة ..دائما كانت ترتدي اللون الأسود علي من لا أدري وقد قابلتها فيما بعد بعدما كبرت و لكن لم أجرؤ علي سؤالها فهذا شأنها.. لكنها لم تخلعه أبدا ..كانت كبيرة السن نسبيا ..شعرها أسود تجمعه خلف رأسها في شبكة علي شكل نصف دائرة فوق القفا..لا أدري كيف كانت تصنعها ..لكن الحال بأكمله كان مميزا..وكانت غرفة الموسيقي في المبني الرئيسي ..يهيأ إلي أنها واسعة جدا..

كنت أعزف فيها علي الإكسيليفون والجلاجل.. طبعا شيئ بدائي جدا .. لكن أبلا بديعة يبدوا أنها توسمت في شيئ ما فرشحتني لمعهد الكونسرفتوار الذي أنشأ حديثا في تلك الأيام.. وطبعا رفض المبدأ من الأهل لأنه كان يتطلب الانتظام الداخلي به و هذا مرفوض بالرغم من التمني بأن أتعلم الموسيقي.. المهم كانت من أجمل الحصص..

كما يقولون كنا نفك عن أنفسنا فيها بالغناء الجماعي .. و العزف البسيط..في رأيي أنه كان كالعزف بغطاء الحلل..لكنه كان عزفا..وأسوا مافيها الإمتحان النظري في الصولفيج ..لم يدخل رأسي أبدا…..

 أذكر أنه كان لنا زميل يبدو أن علامات الذكورة ظهرت عليه مبكرا و لهذا كانت أبلة وديعة تأمره بالسكوت عندما نبدأجميعا في أن نصدح بالغناء … للأسف ماذا كنا نغني لا أدري ايضا ولا أذكر الا أغنية اسلمي يامصر إنني الفدا   .. و فيما بعد كنا دائما نغني الله أكبر..وبالتأكيد كان هناك الكثير من الأغنيات الجميلة لكن بالتأكيد أيضا فقد زرعت فينا هذه الأغاني حب الوطن منذ الصغر ….كانت أبلة وديعة نادرا ما تضحك ..لكني لا أنسي ابتسامتها الهادئة دائما التي في محلها.. و ليست بدون مناسبه…

كان من حقنا وقتين للراحة أو مايسمي فسحتين .. الفسحة الأولي بعد الحصة الثالثة و الفسحة الثانية للغداء بعد الحصة الخامسة علي ما أتذكر ..الفسحة الأولي ننطلق من الفصول إلي الفناء بدون طابور ..كدة .. أما الثانية فهي أشبه بالمهام القومية .. يصطف الطابور كل فصل علي حده.. الصغار أولا ثم الكبار .. للذهاب للمطعم .. وطبعا نذهب للمطعم الذي هو تحت غرفة الحكيمة و لا نجرؤ علي رفع أعيننا لفوق ..خوفا من أن تكون بالشرفة فتختار أي منا لأي سبب و تقوم بفحصه ..كل منا يسير و كأنه لايري اللا الطريق أمامه فقط ..

كان المطعم واسعا ..به موائد طويلة  ..   مفروشة بمفارش كروهات ..لونها لا أذكره .. عليها أطباق معدنية .. موضوع لكل منا بها رغيف بلدي ..و قطعة من الجبن الأصفر ..و قطعة من الحلاوة الطحينية .. و النزيه مثلي ..لا يأكل أكل المدرسة .. و إنما يجلس مع الجميع و يتناول ما لديه من ساندوتشات مصنوعة منزليا .. ويؤول كل الطعام المتروك للعاملات اللاتي يشكرن الله علي رزق اليوم الذي سيقمن بإعادة بيعه للمطاعم أو ما أشبه مع السندويتشات المنزلية التي قمن بجمعها منا أثناء الفسحة الأولي…و هذه الواقعة تم إكتشافها من بعض أولياء الأمور و كنت منهم حيث كنت أنفح العاملة أو كما كنا نطلق عليها الدادا ساندويتشي بلفافته .. حتي أحظي برضاها و عدم شخطها و نطرها حين المرور بجوارها ..و كانت لها مكانا مفضلا في الفسحة الأولي بجوار حجرة الرسم في الفناء الكبير.. تنتهي الفسحة الأولي و قد إمتلأ حجرها بالعديد من الساندوتشات المليئة بما لذ وطاب .. لاحظ أهلي بالمنزل بعد فترة أنني يتناقص وزني بشكل مطرد ..

 وبعد البحث تم إكتشاف ما يحدث ..فالعاملة تأخذ السانوتشات في الفسحة الأولي ..ولا أتناول وجبة المدرسة في الفسحة الثانية وأ تضور جوعا إلا من الشيكولاته أوالبونبون.. وطبعا رفع الأمر لناظرة المدرسة.. اللي يعني ياعيني ما كانتش تعرف ..و ده معناه إنها ماكانتش بتقوم بالمرورعلي المدرسة في هذا الوقت ..أو الضابطة لم تحيطها علما بما يحدث مكتفية بالصراخ علي الفاضي و المليان إثباتا لوجودها ..وكذلك المشرفات و المشرفة الاجتماعية اللا حينما بالصدفة إكتشف أولياء الأومر..!!!!…وهذا يعني الكثير .. فقد كانت هذه هي البدايات لما نحن فيه الان …!!!

                          


Responses

  1. أهلا.

  2. معلش في الكلمة
    بس ما تصورتش إن لسة فية دكاترة بتعرف تكتب
    بس معلش تاني أحب أضيف نقطة صغيرة , إحساس حضرتك في الكتابة عالي أوي بس فية مشكلة بسيطة جدا و هي بتواجة الناس اللي بدأوا الكتابة بعد فترة توقف سواء قصيرة أو طويلة و هي مشكلة مش أسلوبية على قد ما هي عادة و بتزول مع الوقت و هي مشكلة إنهاء الموضوع أو إغلاقة, حضرسكتتي في أخر الموضوع و لم تعلني حتى نهايتة ودي حاجة بتحسس القارئ أنة مش مستريح لأن الموضوع ما إتقفلش
    كلامك صادق قوي , كلام واحد فعلا كان بيفكر في كل مرحلة في حياتة أنة في يوم هايكتب عن نفسة و علشان كدة فضل فاكر
    أما لو جينا في كلامك عن الطب و سنينة فا مفيش حد يعرف الدكاترة قدي , فإقتنعت بكل الكلام اللي أنتي كاتباة , أنا إتربيت في وسط عيلة كلها دكاترة , كرهت الطب لأنة كان سبب لكل حاجة وحشة شفتها في حياتي , عارف أنتي عايزة تكتبي أية , مهنة قبل ما بتسرق من الواحد وقتة بتسرق منة حاجات كتير قوي جواة , بتنسية أنة بني آدم في كثير من الأحيان زي ما بيكون أقرب واحد لأصدق الأشياء في أوقات كتير , مهنة بتخلي الواحد يعرف كتير و يتكلم قليل ,
    المهم أني باحمد ربنا أنة ألهمني لخدعة خلتني أعرف أهرب من كليات المجموعة الطبية بصورة عامة و خلت أهلي يكرهوني إلى أقصى درجة , الناس كانت بتتعامل معايا كمختل عقليا عشان رفضت فرصة على كلامهم الاف غيري بيتمنوها و خصوصا إن مجموعي كان مدخلني أي حاجة في المجموعة الطبية مستريح
    إتربيت في وسط عيلة نصف قرايبي من الدرجة الأولى و التانية أطباء عشان كدة أنا عارف إنتي عاوزة توصلي لأية , إجتهدي في الكتابة لأقصى درجة , ماحدش هايعرف يقنع دكتور أنة يقرأ إلا دكتور زية , رجعي الناس دي للحياة
    سعيد جدا لأني عرفت إن فية دكاترة ناوية ترجع للحياة , اللي الدكتور بيشوفة طول حياتة لو كتبة ممكن يأثر في ناس كتير , لأنة إنسان طول حياتة قريب للحقيقة الوحيدة اللي على الأرض

  3. اشكرك كثيرا علي التفضل بقراءة ما كتبت , واحب أن اذكرك بأن الكثيرين من الأطباء لهم مواهب فنية في الكتابة سواء شعرا او قصة او مقال او خلافه, واين انا منهم , د ابراهيم ناجي , د يوسف إدريس , د الحفناوي و كثيرين في شتي المجالات غير الطب – لكن ما امتبه ربما فضفضةقد تنفع لكنها بالتأكيد لن تضر….ارجو ذلك

  4. dr. Aida,
    first, i’d like to express my whole admiration for ur style in writing which look like a story telling , simple as that and at the same time deep, profounded, full with thoughs, ideas and comparisons between the past and our recent days , how u do it i don’t know but u really have the talent to keep the reader eyes racing ur words to the end but what is a hard feeling when i reach there, Dr. i’m looking forward to hear the rest of ur days and i wish if u can support the page with some of old photos which u might have which can help to take us out there back in time that we wished to live with u .
    God bless u my dear Dr.
    Ahmed Hegazy,

  5. جزاكم الله خيراً على المشاركة بهذه المعلومات ..
    أنا لا أجيد الكتابة لذا فلن يكون تعليقى مهماً، ولكننى أُعجبت بهذا الأسلوب الفنى.

  6. نصائح بسيطة 🙂
    الاهتمام بالهمزات وقصري التدوينات قليلاً ..

    أهلاً بك معنا في الورد بريس

    محمد

  7. شكرا لمحمد و انور وان عملت بكل النصائح و مستعدة لأي اقتراحات أو نصائح أخري

  8. أظن أن استجابتي كانت سريعة … أووه نسيت .. أولا ..أهلا بك بين معشر المدونين .. 🙂
    أظن انك مشتاقة للكتابة ، لذلك خرجت بهذه المعلقة 😀

  9. Hi Chehbi
    اهلا بك ..شكرا لترحيبك ..فعلا ..بس دي مش معلقة..تقدر تعتبرها تدفق لبعض الذكريات..حاولت اقطعها لأقسمها علي قطع ولم اتمكن .. كنت أشعر انني لابد اسردها ورا بعضها ليستطيع القارئ تتبع ما سيجيئ بإذن الله

  10. أولا مرحبا بكِ يا كاتبة 🙂
    ثانيا مرحبا بيكي يا طبيبة 🙂
    ثالثا المواهب لا تموت إلا إذا ماتت داخل قلب صاحبها 🙂
    أخيرا قرأت جزء من المقدمة و بعدين صُعقت من طولها فقلت هأكملها في وقت تاني عشان فعلا مرهق حاليا ..
    لي عودة لاحقا ..
    تحياتي
    وبالتوفيق ..
    الساحر ..

  11. أولا أشكرك علي ترحيبك و اهتمامك بقراءة ما كتبت
    ثانيا انا صعقت مثلك من طول المقدمة
    لكن كان هناك سببان الأول و أعترف أنه لم يكن لي خبرة ببرنامج المدونة ثانيا حاولت أوقف تدفق الذكريات و الأفكار لأتوقف عند نقطة ما ففشلت
    و كانت هذه النتيجة فتركتها لرأي من يقرأها و احترمه تماما
    حاولت بعدها اجزؤها وجدت أن أفكارها ستصبح مبتورة
    فتركتها للمرة الثانية و ارجو متابعتي دائما و تزويدي بآرائك القيمة
    أهلا بك
    د عائدة

  12. أختنا الفاضلة…
    أخذتينا في رحلة الحياة…
    في بوح الذكريات…
    في عالم الأمس…
    بحروف هي همس مليء بحس…
    بجمال وجدناه بين أيدينا فيكاد أن يلمس..

    بارك الله فيكم أختنا الفاضلة على هذه المدونة و التدوينة .
    و مرحباً بنا معك في عالم التدوين ..فأنت الأقدم …و أنت صاحبة التدوين المدرسي…و نحن أصحاب التدودين الألكتروني…فمنكم نستفيد..

    ملحوظة أختي الفاضلة..
    قد سقطت منك كلمة في الآية الكريمة فنرجو المراجعة و التأكد من ذلك…قال تعالى (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً (80)

    فبارك الله فيكم و رفع الله شأنكم …وفقتم للخير

  13. أخي الفاضل ..ألف شكر علي الأحاسيس الرقيقة جدا التي وصفت بها هذه التدوينات المتواضعة الصادرة من أعماق القلب وزوايا الذاكرة ..وأهلا أهلا بكل من يزورني ويقدم لي تعليقاته القيمة..أنا راجعت النص القرآني الشريف .بارك الله فيك..هل تقصد أرقام السور..لقد وضعتها و العهدة عليك لم أرجع إلي المصحف..ام ماذا…مشكورا.. و أهلا بك و بكل الإخوة مليون مرة

  14. أتمنى أن تكون الكتابة هنا

    وفي كل المدونات باللغة العربية الفصيحة قدر الإمكان

    حتى نتفق نحن العرب ولو في التدوين !!!!!!

    مشاري من ( زجاجة عطر http://www.z-atr.com )

    أتمنى زيارة الجميع …

  15. أهلا بك مشاري وشكرا علي مرورك- طبعا أنا أحاول ذلك بقدر الإمكان و لكن ثبت أن لغتنا العربية خليط من لغات أخري كثيرة …ياريت تزور مدونتي الأخري
    aydy2008.blogspot.com
    أهلا بك مرة أخري و سنزورك في القريب العاجل
    أما العرب فهم متفقون فعلا..لكن علي أم لا يتفقوا


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: